الرجل الكلب.. الصورة بين الجوهر والمظهر










في كتابه (النحت في الزمن) يقول المخرج الروسي (أندريه تاركوفسكي): "الصورة الفنية الصادقة هي دائماً مبنية على الارتباط العضوي بين الفكرة والشكل، إن أي اختلال بينهما سوف يحول دون إبداع الصورة الفنية"
العبارة السابقة، تمثل مدخلاً لفهم الطبيعة التأملية لفكر (تاركوفسكي) السينمائي بشكل عام، وهي المدخل الذي نطرحه هنا لتحليل العلامات البصرية لفيلم "Dogman" أو الرجل الكلب للمخرج الإيطالي (ماتيو جاروني).


الفيلم من إنتاج عام ٢٠١٨.  يقدم تشريحاً مثالياً لحياة إنسان بسيط ومسالم يُدفع نحو العنف لأسباب تبدو ذات صلة بالمجتمع، لكنها بالأساس ذاتية جداً، حيث يتناول جاروني الدوافع العميقة التي تجعل الإنسان حيواناً ساعياً إلى الخلاص، سواء كان هذا الخلاص بالحياة أو المال أو كليهما معا، وذلك من خلال شخصية (مارشيلو) الذي يمتلك صالون صغير للعناية بالكلاب، ويستطيع الاندماج بالمجتمع جيداً: الأصدقاء، والأسرة الصغيرة، والعمل.  ومن خلال هذه الشخصية المفرطة في إنسانيتها وتسامحها مع الآخرين يقدم لنا جاروني تشريحاً لانهيار هذا الإنساني في مقابل أنماط التوحش الاجتماعي. الفيلم عن حادث حقيقي وقع في نهاية الثمانينات.
اختيار (جاروني) للممثل الإيطالي (مارشيلو فونتي) لهذا الدور مثالياً. فطبيعة فونتي في الواقع خجولة وهادئة، وبالرغم من بداية عمله بالتمثيل عام ٢٠٠٠، وتجربته في كتابة وإخراج فيلم واحد خلال هذه الفترة، وحتى بعد حصوله على جائزة أفضل ممثل في مهرجان (كان) عن فيلم الرجل الكلب، بدا متوتراً خلال لقاءاته العديدة. رغم ذلك يصفه (جاروني) في أحد اللقاءات بأنه (باستر كيتون) هذا العصر، فبداخله إنسان مرح.


البداية والنهاية


يفتتح جاروني فيلمه بمشهد غريب، كلب شرس يعوي ويزمجر، تقترب الكاميرا فنرى وحشاً مقيداً، وطيفاً لشخص ما. مجرد طيف نحيل في ملابس داكنة. نعرف فيما بعد أنه (مارشيلو) عندما يظهر بعد عدة لقطات كبيرة وقريبة للكلب. يبدأ مارشيلو في تهدئة الكلب العنيف، يقدم له البسكويت ويقل له كلمات لطيفة ليتابع عمله في متجر تنظيف الكلاب.  إذ يجب عليه أن يكون صبوراً كمروض حقيقي.  مسالماً وكريماً مع الوحش لكي يستسلم له. إنها طريقته في السيطرة على العنف، وسنرى أنه سيتبعها مع (سيموني) الملاكم المدمن العنيف في نهاية الفيلم، تلك النهاية التي تضعنا في تساؤل محير: من هو المقصود بالرجل الكلب، مارشيللو الضعيف المسالم؟ أم (سيموني) الشرس؟
المغزى، أن الغضب والانفعال شعورين لازمين للإنسان الطبيعي، لكن مارشيللو يفضل أن يضحي بهما من أجل أن ينال الحب والتقدير. لقد ضحى (مارشيلو) بنفسه من أجل سيموني، ودخل السجن بدلاً عنه، لكن سيموني يخلو من أي عاطفة إنسانية.
بلغة مسرحية يمكن وصف مشهد البداية في فيلم الرجل الكلب بأنه من أفضل براعات الاستهلال السينمائية، براعة ليست قائمة على استخدام تقنيات وطرق تصوير معقدة، بل تعتمد على السرد باستخدام التكوينات البصرية البسيطة والدرامية، فالكلب ووضعيته الضخمة التي تحتل اللقطة بأكملها، ومارشيلو الضئيل الذي يظهر كالشبح، هما مفتاحين لفهم الفيلم بأكمله عندما يصل جاروني لمشهده الرئيسي، عندما اضطر مارشيلو لقتل سيموني.

صراع الشخصية الداخلي
البناء الدرامي للفيلم لم يكتب على الطريقة المعتادة في حل العقدة الدرامية، بل كانت العقدة الدرامية هي نهاية الفيلم. وهكذا يتركنا المخرج حائرين بين أسئلة عن الطبيعة الإنسانية، وتحولاتها. 
 يمكن أن نقسم الفيلم إلى فصلين: فصل البداية كما رأينا في المشهد الافتتاحي، وفصل النهاية وهو مشهد قتل مارشيلو لسيموني بعد أن استدرجه بنفس الطريقة التي تعامل بها مع الكلب الشرس، بالكوكايين بدلاً من البسكويت وبدفعه للطمع في المال والمخدرات بديلاً عن الكلمات اللطيفة. ما أراده مارشيلو بعد أن قام بحبس سيموني في قفص الكلاب أن يعترف له باحترامه، لكن سيموني الشرس يكسر القفص، وبدافع الخوف يلجأ مارشيلو لربطه في سلسلة الكلب الشرس، وخنقه، ثم يحمله على كتفه، ويتجول به في وسط المدينة شبه المهجورة.



قتله في مشهد تقريباً هو مشهد الافتتاحية مع استبدال الكلب بسيموني، واستبدال كينونة مارشيلو بأكملها، مشهد ينتقم فيه مارشيلو من سيموني الذي استغله لسرقة متجر جاره وتعرضه للحبس، مارشيلو لم يعترف على سيموني مما عرضه للعقوبة بدلاً منه، وبعد خروجه طالب بحقه في مقابل صمته على جريمة سيموني، لكنه أنكر عليه هذا الحق، فقرر مارشيلو الانتقام.
 هذا الحق في داخل مارشيلو لم يكن مرتبطاً بالمال بقدر ما كان مرتبطاً برد الاعتبار. تصور مارشيلو أنه عندما يضحي من أجل صديقه فإنه سيقدره ويحترمه، وهذا كل ما كان يحتاجه مارشيلو في حياته، لم يلق احتراماً من سيموني فقتله وأراد للجميع أن يروا ما فعل من أجلهم، لقد قتل الوحش الذي أرهب المدينة بأكملها. إنه يبحث عن التقدير مرة أخرى من المجتمع، لكن لا ننسى أن المدينة (وهي بمثابة ذاته الداخلية) مهجورة، حيث لا أحد سيمنحه هذا التقدير. يعبر جاروني عن ذلك في مشهد يحمل فيه مارشيلو جثة سيموني وينادي على الجميع: انظروا ماذا فعلت من أجلكم؟، هل كان يوجد أحد، الحقيقة أنهم كانوا في مخيلته فقط في هذه اللحظة، هنا يقول جاروني أننا نريد من الآخر الاعتراف بقيمتنا وأحقيتنا في الاحترام، لكن الآخر هو لا أحد، الآخر هو ذواتنا فقط، هو مارشيلو بنفسه.
في هذا النوع من الكتابة السينمائية -character driven-  لا يهم أن تحل العقدة، فالأحداث كلها مدفوعة بمشاعر الشخصية الرئيسية وتحولاتها وانفعالاتها الذاتية، يمكننا تشبيهها بأفلام ال Road trips ولكن الرحلة هنا تخص الشخص وليس الحدث.



استخدام اللون الواحد



سيطر جاروني على الطبيعة المحيطة للتعبير عن حالة فيلمه باستخدامات لونية تشيع حالة من الإحباط والبرودة، وتشبع المتلقي بالمشاعر التي تسيطر على مارشيلو نتيجة إحساسه بالدونية، التي يعبر عنها برغبة ملحة في التقدير حتى ولو بالقتل.
استخدم اللون الأزرق على الفيلم بدرجتين، كل درجة منهما استخدمت في جزء من الفيلم، الألوان في الجزء الأول كانت زرقاء باهتة، والنصف الثاني من الفيلم تدرج اللون الأزرق إلى درجة أكثر حدة وكآبة، وهو تدرج مناسب نظراً لسرد الفيلم المنقسم بالفعل لجزئين في كل عناصره، التصوير والإخراج والبناء الدرامي.
جدير بالذكر أن جاروني استعان بالمصور الدنماركي نيكولاي برويل، والذي لديه خبرة كبيرة في مجال تصوير الإعلانات الدعائية وكذلك التصوير التليفزيوني والسينمائي.

النحت في المكان



اختيار موقع التصوير ليس عملاً سهلاً كما في ظاهره، فهناك تعقيدات تطرأ منذ البدء في عملية الكتابة نفسها التي يحاول فيها كاتب السيناريو السيطرة على تحركات الشخصيات وأفعالهم.
الموقع الذي اختاره جاروني بعناية، وهو في الأساس مدينة ساحلية مهجورة منذ الستينيات، لم يكن اختياراً عشوائياً، مدينة بعيدة توحي بأنك داخل مجتمع خاص يختلف عن المجتمع الإيطالي الذي نشاهده دائماً في السينما، مجتمع منعزل يعيش سكانه خارج زخم المدينة والتكنولوجيا ورأس المال.
في الرجل الكلب كانت هناك ضرورة للخروج من الموقع الأساسي كما رأينا في رحلات مارشيللو وابنته، أو مشهد السجن. فتجربة السجن تم اختصارها في لحظة دخول (مارشيلو) فيه لتجسيد مشاعره تجاه المكان والسجناء الذين تعاملوا معه بضراوة.. ثم الانتقال بسرعة إلى مشهد خروجه بعد أن قضى ماشيلو عاماً كاملاً فيه، حيث ترك جاروني للمشاهد الحرية في تخيل ما حدث له داخل السجن خلال هذه الفترة.
مكونات المكان واستخدام الممثلين فيه مؤثرة للغاية، الناس التي تسير في الحي كالأشباح في الصباح أو المساء، والبحر القريب الذي نراه في لقطات قليلة وكأنه ليس عنصراً أساسياً في حياة سكان الحي، وحياة مارشيلو وأصدقاءه أصحاب المتاجر القريبة الذين يعملون ويأكلون ويلعبون كرة القدم وهذه هي حياتهم بأكملها، ملعب كرة القدم، ومنطقة لعب الأطفال التي يلعبون فيها بلا حماس، البحر، والمطعم.. إلخ. حتى مكونات المكان نفسه يشعرنا جاروني بأنها أشباح وهكذا يجسد المكان فكرة الفيلم.
في النهاية نرى سمة الارتباط العضوي بين الفكرة والصورة متأصلة في فيلم جاروني، حيث لا يلجأ كثيراً لاستخدام الرموز اللغوية والحوارات الطويلة لإيصال فكرته، بل يتعامل مع المتلقي بنفس الطريقة التي يتعامل بها العقل الباطن في تمرير الرموز من خلال الأحلام.
 يقول (إريك فروم) في كتابه اللغة المنسية أن ثمة رموز جمعية يستطيع أي إنسان مهما اختلفت لغته أو تغير مكانه أوثقافته أن يفهمها، أو على الأقل تسبب له نفس الشعور الذي تسببه للآخرين، وهذا هو الحال في فيلم الرجل الكلب. كل الرموز التي استخدمها جاروني لا يمكن أن يتم تلقيها بأشكال مختلفة، فالكلب الشرس ضد الكلب صغير الحجم، الشخص الضخم العنيف في مقابل الشخص ضئيل الجسد، وموقع التصوير المستغل جيداً في الإيحاء بالوحشة والبرودة والاغتراب، الانطباعات التي تؤثر على المتلقي من هذه الرموز واحدة تقريباً مهما اختلفت ثقافته أو لغته.




تعليقات